قصة نجاح د.توحيدة عبدالرحمن

ليس عندى إحصاء دقيق لعدد الطبيبات العاملات بوزارة الصحة المصرية، لكن المؤكد أنهن عشرات الآلاف، ينتشرن فى قطاعات الوزارة ومستشفياتها من أسوان إلى السلوم، هذه معلومة أصبحت أقرب للحقائق العلمية مثل أن الشمس تطلع من المشرق، إنما إذا سألتك على طريقة برنامج «من سيربح المليون؟»: من أول طبيبة تعينها الحكومة المصرية وتدون اسمها فى سجلات وزارة الصحة؟، فإن الإجابة صعبة لكثيرين سيحتاجون حتما إلى الاستعانة بصديق، وربما إلى مراجع وسجلات ليعرفوا اسم الدكتورة توحيدة عبدالرحمن.
والحق أن قصة الدكتورة توحيدة تصلح لأن تكون عملا دراميا مبهرا وشديد الإثارة والجاذبية، ولابد حينما تشاهده ستستغرب مثلى كيف لا تنافس هذه السيدة نجمات السينما شهرة وجماهيرية، رغم كل ما فى مشوارها من «مشهيات درامية» لا يطاولها خيال أكثر كتاب السيناريو جنونا؟

والدها كان موظفًا بـ«هيئة المساحة».. والملك فؤاد أرسلها إلى لندن لدراسة الطب بشرط ألا تعود إلا بعد ١٠ سنوات
لا تستطيع أن تبحر فى سيرة د. توحيدة عبدالرحمن دون أن تمر على والدها، فمن عنده تبدأ الحكاية ويرفع الستار.

كان عبدالرحمن أفندى موظفا فى هيئة المساحة، يسكن فى حى الدرب الأحمر فى بيت يملكه بجوار مسجد السيدة فاطمة النبوية، كان من طبقة الأفنديات التى بنيت عليها الطبقة المتوسطة فى مصر فيما بعد، واشتهر بجمال خطه فنسخ المصحف الشريف ١٨ مرة بالرسم العثمانى ومرة بالرسم المغربى، ثم قرر أن يشترى مطبعة على نفقته لطباعة المصحف وتيسير انتشاره.
وفى العام ١٩٠٠ تزوج عبدالرحمن أفندى من فتاة مصرية ماتت بعد سنوات قليلة فتزوج من شقيقتها الصغرى «زكية» وأنجب منها فى العام ١٩٠٦ ابنته توحيدة التى ستصبح أول طبيبة فى الحكومة المصرية، وابنته مفيدة التى ستصبح أول محامية فى مصر، وبينهما شقيقهما محمد الذى اشتهر باسم عبدالمنعم.
وعلى عادة المصريين فى ذلك الزمان تزوج عبدالرحمن أفندى بامرأة أخرى اسمها زينب أنجبت له ابنه محمود، وعاشت زوجتاه وأولادهما فى بيت واحد بالدرب الأحمر. ولحسن حظ بنات عبدالرحمن أفندى فإنه كان رجلا شديد الاستنارة فى مجتمع محافظ لا يرى فى البنت سوى مشروع زوجة وأم، وأن عليها أن تجلس فى بيتها فى انتظار أول عريس، لكن عبدالرحمن أفندى قرر أن يرسل بناته إلى المدرسة، فالتحقت توحيدة بالمدرسة السنية، أول مدرسة للبنات فى مصر، وكان عليها أن تقطع المسافة على قدميها يوميا من الدرب الأحمر إلى السيدة زينب.
وأثبتت توحيدة تفوقا ملحوظا فى دراستها، وهى دراسة كانت صعبة وعلى الطالب وقتها أن يجتاز اختبارات شفوية وتحريرية قاسية، لدرجة أنه كانت هناك فرقة موسيقية بالمدرسة تعزف للطالب الناجح تقديرا لتفوقه.
ونجحت توحيدة بتفوق فى البكالوريا عام ١٩٢٢ فرشحتها مس كارتر، ناظرة السنية، لدخول المسابقة التى أعلنت عنها الحكومة المصرية لاختيار ست طالبات متفوقات لإرسالهن فى بعثة إلى بريطانيا لدراسة الطب برعاية ملك مصر فؤاد الأول، وكانت توحيدة من بين الفائزات الست بالبعثة. وعندما تعرف أن من شروط البعثة أن تعيش الطالبة بمفردها لمدة عشر سنوات متصلة فى لندن بلا إجازة واحدة، فلك أن تتخيل حجم الاستنارة التى كان عليها عبدالرحمن أفندى عندما سمح لابنته الصغيرة أن تعيش وحيدة فى بلد غريب لسنوات عشر، وعندما يرفض عريسا مناسبا تتمناه أى أسرة لبناتها كان تقدم لخطبة توحيدة عقب تخرجها فى المدرسة، لكن هذا الأب الاستثنائى شجع ابنته على السفر، وذهب معها ليوصلها إلى بورسعيد لتحملها السفينة إلى بريطانيا العظمى، بل هناك ما هو أغرب،: طلب من توحيدة أن تخلع اليشمك «الزى المميز للمصريات فى ذلك الزمان» وأن ترتدى الملابس العصرية على الطريقة الأوروبية حتى لا تبدو شاذة فى المجتمع الإنجليزى، ولا يعاملوها باستهانة وبنظرة دونية.. وقال لها وهو يحتضنها ويقبل يدها فى لحظة الوداع: «ربنا ينصرنى بيكى يا توحيدة!».

فوجئت بـ«ملكة إنجلترا» تقف فى «طابور الحساب» بـ«السوبر ماركت».. وانتقدت «قبقاب» طالب مصرى ببعثة لإنجلترا
على المركب المبحر إلى بريطانيا العظمى كانت هناك ٦ بنات مصريات فى أول بعثة نسائية توفدها الحكومة المصرية: ٥ مسلمات ومسيحية.

ومنذ أول يوم لها فى تلك التجربة بدأت توحيدة فى كتابة ما يشبه المذكرات، تدون يوما بيوم مشاهداتها فى بريطانيا، فرغم تفوقها العلمى وسفرها لدراسة الطب كانت توحيدة عبدالرحمن تمتلك ميولا أدبية وخيالا خصبا ولغة عربية سليمة وأسلوبا بديعا. وكان أول ما لفت نظرها فى لندن تلك القبعات الإنجليزية الشهيرة فوق رءوس السيدات والرجال، ولفت نظرها كذلك هذا الجو الإنجليزى الضبابى، حيث الشمس غائبة طوال الوقت حتى فى عز النهار، وكأنها مدينة تعيش فى ليل متصل. ورغم انهماكها الشديد فى دروس الطب فإن توحيدة وجدت الوقت كذلك لتكتب عن ملاحظاتها وأغرب ما أدهشها فى لندن:
كتبت عن واقعة طالب البعثة المصرى الذى كان يقيم فى بيت الطلبة، والذى عاش فى العاصمة الإنجليزية بنفس عاداته فى مصر، فكان يستيقظ لصلاة الفجر ويرتدى القبقاب الخشبى الغليظ ويسير به فى الطرقات حتى يتوضأ فى الحمام، فيحدث قبقابه صوتا كان غريبا على المكان، وكان الصوت يتكرر فى موعد محدد وبنفس الطريقة، مما أثار انتباه إدارة المكان وفضولهم، وراحوا يترصدون ذلك الصوت الغريب حتى اكتشفوا حكاية الطالب المصرى وقبقابه.
وكتبت عن تلك الواقعة التى أبهرتها فى محل «هارودز» أشهر وأقدم المتاجر البريطانية «تأسس سنة ١٨٣٤»، ففى الطابور الواقف أمام «الكاشير» كانت توجد سيدة عجوز تنتظر دورها لتدفع حساب كريم اليد الذى اشترته، ولما وصلت إلى الخزينة نزلت موظفة الكاشير من كرسيها وانحنت أمام السيدة العجوز كنوع من التقدير، وفوجئت توحيدة بأن العجوز التى كانت تقف أمامها فى الطابور هى نفسها ملكة إنجلترا، والسيدة التى تجلس على عرش أعظم إمبراطورية فى العالم.
بالجد والاجتهاد وبذكاء فطرى لافت حصلت توحيدة على أعلى الدرجات فى سنوات دراستها الطويلة والمرهقة، وهو ما لفت نظر المشرف الإنجليزى عليها د. جون، فقدم لها عرضا ظن أنها لن تقاومه، عرض أن تبقى فى بريطانيا بعد تخرجها لتحصل على الجنسية البريطانية وتعمل فى أكبر مستشفياتها، لكن توحيدة اعتذرت فى هدوء، وبمنطق وطنى خالص: أنا تعلمت طوال عمرى على نفقة الحكومة المصرية وواجبى أن أعود إلى وطنى لأضع نفسى فى خدمته.
وحدث بعدها أن جاء الملك فؤاد فى زيارة رسمية لإنجلترا وطلب أثناء وجوده فى لندن تنظيم لقاء يجمعه بالطالبات الست ليطمئن على أحوال أول بعثة دراسية نسائية مصرية، وبطريقة ما عرف الملك بحكاية توحيدة ورفضها الجنسية البريطانية وفاء لبلدها، ولما عادت توحيدة إلى الوطن واختارت أن تعمل فى خدمة الحكومة المصرية أنعم عليها الملك بلقب «الهانم»، وكان من الألقاب النسائية المعتبرة التى لا تمنح إلا لسيدات الأسرة المالكة والطبقة الحاكمة، وأرسل القصر الملكى الشهادة التى تحمل اللقب إلى مقر عمل الدكتورة بوزارة الصحة ليصبح اسمها فى الأوراق الرسمية: توحيدة هانم عبدالرحمن، وأصبحت الطلبات والأوراق تقدم إليها باللقب الجديد، لكن د. توحيدة أمرت سكرتيرها بشطب لقب الهانم وتقديم الأوراق الرسمية دونه، فقد كانت راضية وفخورة ومكتفية بلقب الطبيبة.
فى صيف العام ١٩٣٢ عادت توحيدة عبدالرحمن بعد عشر سنوات فى لندن وهى تحمل شهادة الدكتوراه فى الطب، وكان ذلك حدثا فى وقتها اهتمت به الصحافة المصرية، فنشرت مجلة «اللطائف المصورة» فى ٦ أغسطس ١٩٣٢: «وردت الأنباء التلغرافية أن الآنسة توحيدة عبدالرحمن جازت امتحان الدكتوراه فى الطب من إنجلترا وفازت بهذه الشهادة العالية، وبذلك أصبحت ثانى آنسة مصرية تحوزها بعد هيلانة سيداروس، زميلتها فى البعثة، والتى عادت قبلها بأسابيع».
واحتفاء بابنته التى شرفته ونصره الله بها كما دعا وتمنى قبل سفرها، قرر عبدالرحمن أفندى أن يشترى لابنته شقة فى أفخم أحياء القاهرة «شارع عدلى بوسط البلد» لتحولها إلى عيادة تستقبل فيها زبائنها من المرضى، لكن توحيدة لم تستسغ ولم تستوعب فكرة أن تعالج المرضى مقابل أجر، وقررت أن تلتحق بواحد من المستشفيات الحكومية لتعالج المرضى بالمجان، وبالفعل جرى تعيينها فى «مستشفى كتشنر الخيرى» الذى أصبح فيما بعد مستشفى شبرا العام.. وهكذا دخلت توحيدة عبدالرحمن التاريخ بوصفها أول طبيبة فى الحكومة المصرية وثانى مصرية تحصل على درجة الدكتوراه فى الطب بعد زميلتها هيلانة سيداروس.

تزوجت من قاضى «السيارة الجيب» بمهر ١٥٠ جنيهًا.. أنجبت ٧ أبناء.. واستقالت رفضًا لتدخل الوزير فى عملها
بعد تعيينها بشهور طبيبة فى المستشفى العام، كانت توحيدة تحرص على قضاء يوم إجازتها فى أماكن تحبها وتشعر فيها بسعادة خاصة، وكان على رأسها حى الحسين، وذات مرة اقترب منها عراف هندى، غريب المنظر، وعرض أن يقرأ لها الكف ويخبرها بطالعها، كان يتحدث بثقة غريبة أثارت فضولها الأنثوى لتعرف ما سيقوله لها الطالع، لكنها ترددت كثيرا عندما عرفت أن العراف سيتقاضى منها ثلاثة جنيهات بما يعادل ربع راتبها، لكن فى النهاية غلبها فضولها ومدت إليه يدها، ودون أن تخبره بمعلومة واحدة عنها أخبرها هو أنها تعمل طبيبة وأنها ستتزوج قريبا جدا من قاض سيكون له شأن كبير يتميز بابتسامة هادئة وحب للنكتة، وستنجب منه سبعة من الأبناء: ثلاثة ذكور وأربع بنات.

كان العراف يتكلم بثقة شديدة أثارت دهشتها، لكن ترمومتر الدهشة وصلت درجته الأعلى عندما طرق بابهم بعد أيام وكيل النيابة الشاب محمود عبداللطيف، وكان والده جارا لهم وصديقا لوالدها، جاء يطلب يدها لنفسه ويد شقيقتها مفيدة لشقيقه محمد.. ليتزوج الشقيقان من الشقيقتين.
وتمت الخطوبة فى يناير ١٩٣٣، وقبل الزواج قام محمود عبداللطيف برحلة خاصة إلى إنجلترا ليزور نفس الأماكن التى عاشت فيها خطيبته فى سنوات بعثتها ليكون أكثر فهما لعقلية وثقافة المرأة التى اختارها شريكة لحياته.. وعاد لتتم مراسم الزواج فى يوم عيد ميلاد توحيدة «٣٠ نوفمبر» وليحرر لها مع وثيقة الزواج حجة شرعية، وكان تقليدا متبعا فى تلك الأيام عندما يزيد المهر الذى يقدمه العريس على ١٤٠ جنيهًا، وكان مهر توحيدة ١٥٠ جنيهًا وهو مبلغ يساوى مليونى جنيه بحسابات أيامنا.
كانت نبوءة العراف الهندى تتحقق بالحرف:
تزوجت توحيدة من رجل سيكون له شأن كبير فى سلك القضاء، ودخل التاريخ فى قضيتين شهيرتين كان موجودا فيهما على منصة القضاء، أولاهما قضية السيارة الجيب عام ١٩٥١ وكان عضو اليمين فى المحكمة التى حكمت بالإدانة على عدد كبير من أعضاء جماعة الإخوان، كما كشفت عن جرائم تنظيمها المسلح، وبسببها قررت الجماعة الانتقام من القاضى الجليل وحاولت اغتياله بإطلاق الرصاص عليه فى فيلته بحى المعادى، وتصوروا أن الشخص الجالس وراء الشباك هو هدفهم لكن المستشار محمود عبداللطيف كان وقتها فى الصعيد فى مهمة قضائية، ولم يكن بالفيلا سوى زوجته الدكتورة توحيدة التى نجت من موت محقق.
وكانت القضية الثانية هى ما عرف بقضية الجاسوسية الكبرى فى عام ١٩٥٦، حيث جرى الكشف عن شبكة مخابرات بريطانية والقبض على أعضائها.
وتوالى تحقيق نبوءة العراف، أنجبت توحيدة ٧ من الأبناء: هدى، سميحة، صافيناز، محمود، أميمة، فؤاد، محمد، وهم بالضبط كما حدد: ٣ أبناء و٤ بنات.
فوق الجمال والنبوغ العلمى تميزت د. توحيدة بشخصية صلبة وإرادة حديدية وقدرة مذهلة على تحدى أعتى الظروف، وهو ما تجلى فى وقائع عديدة من مسيرتها، ولكننا نتوقف أمام موقفين شديدى الدلالة:
الأول يتعلق بالمحنة الإنسانية التى عاشتها عندما اكتشفت إصابة ابنتها الكبرى هدى بإعاقة ذهنية كانت كفيلة بأن تجعلها رهينة البيت حتى الممات، لكنها قررت أن تتحدى الظروف وما عجز عنه العلم، وجاءت لابنتها بالمدرسين فى البيت بعد أن تعذر إرسال هدى إلى المدرسة، ووقفت إلى جانب ابنتها تدفعها وتبث فيها الحماس وروح التحدى، إلى أن كان الاختبار الكبير لهدى عندما كلفتها والدتها بأن تلقى كلمة الترحيب بالرئيس عبدالناصر الذى وافق على حضور حفل زفاف «سميحة» الابنة الثانية تقديرا من الرئيس لوالدها المستشار الجليل محمود عبداللطيف، والذى كان قد ذهب إلى رئاسة الجمهورية وترك دعوة للرئيس يتمنى عليه تشريف فرح ابنته، ورغم ارتباطات الرئيس فى يوم الزفاف قرر أن يذهب، فقط طلب أن يبدأ الحفل فى السادسة مساء حتى يلحق ببقية التزاماته وكان بينها تكريم عدد من كبار الفنانين والمبدعين فى التاسعة مساء، وألقت هدى بكل ثبات كلمة التحية وذهب عبدالناصر لمصافحتها والتقط معها صورا تذكارية ويده فى يدها، وهى الصور التى ظلت د. توحيدة تعتز بها كثيرا وتعتبرها شهادة نجاح لها فى تحديها وتجاوزها محنة الإعاقة الذهنية التى امتحن الله بها ابنتها الكبرى.
الواقعة الثانية تتعلق باستقالة د. توحيدة المسببة من منصبها الكبير انتصارا لكرامتها ومبادئها، فبعد أن وصلت د. توحيدة إلى منصب كبيرة طبيبات وزارة الصحة جرى انتدابها للعمل فى إدارة الصحة المدرسية بوزارة المعارف فى عهد وزيرها عبدالرازق باشا السنهورى، ثم فى عهد كمال الدين حسين، الذى تغير اسم الوزارة فى عهده إلى «التربية والتعليم».
وحدث أن تقدمت إحدى الطبيبات بطلب نقل إلى د. توحيدة التى رفضت الطلب بعدما رأت أن حاجة العمل لا تسمح بالنقل، وبعد أيام وجدت الطلب المرفوض على مكتبها من جديد، ولكنه هذه المرة يحمل تأشيرة من الوزير، بما يعنى أن عليها أن توافق فورا على الطلب، لحظتها شعرت د. توحيدة بالإهانة فقررت أن تثأر لكرامتها، فأعادت الطلب للوزير وعليه قرار منها برفضه من جديد لأسباب موضوعية حددتها، ومع الطلب المرفوض منها مرتين قرار منها بالاستقالة من منصبها.
وحاولت قيادات فى الحكومة إثناءها عن قرار الاستقالة، ورأوا أمام إصرارها أن يعلقوا القرار حتى تهدأ وتسترد أعصابها، ولما ذهبت بعد ثلاثة شهور لتسوية معاشها فوجئت بأن راتبها سارٍ وتجمع فى حسابها مبلغ كبير، فسحبت راتب الشهور الثلاثة وحولته بحوالة بريدية إلى الوزارة، وأصرت على الاستقالة وتسوية المعاش!
كانت الحياة تعنى عند الدكتورة توحيدة شخصا واحدا هو المستشار محمود عبداللطيف، كان زوجها ورفيق عمرها وسندها فى الحياة، ولما رحل الزوج والحبيب فى ٦ أغسطس ١٩٧٢ لم تحتمل د. توحيدة أن تعيشش فى دنيا ليس فيها المستشار محمود عبداللطيف فلحقت به بعد نحو عامين فقط، وتحديدا فى ١٠ سبتمبر ١٩٧٤.
وبعد رحيلها بسنوات طويلة عثر نجلها الأصغر محمد على خطابات والدته التى كانت ترسلها لجده فى سنوات بعثتها، فقرر أن يشد الرحال إلى المستشفى الذى درست فيه والدته، كان ذلك فى عام ٢٠٠٠، وكانت فرحته عظيمة عندما اكتشف أن ملف والدته ما زال محفوظا فى سجلات المستشفى البريطانى، فعاد بذلك الكنز، وحسنًا فعل عندما قرر مؤخرا أن يفرج عن تلك الوثائق النادرة التى تخص والدته، وبذل معه زميلنا الكاتب والباحث مؤمن المحمدى جهدًا يستحق الشكر فى تحقيق تلك الوثائق، التى تروى سيرة امرأة مصرية عظيمة تستحق أن نرى حياتها على الشاشة.